يُعد شرح المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري من الموضوعات الأساسية في القانون الجنائي؛ لأنها تنظم مسألة تحديد القانون الواجب التطبيق على الجريمة من حيث الزمان، وتضع ضوابط تطبيق القانون الأصلح للمتهم، كما تحدد الأثر القانوني لصدور قانون جديد يلغي التجريم بعد صدور حكم نهائي.
وتكمن أهمية هذه المادة في أنها تحقق التوازن بين مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وحماية الحرية الشخصية، وعدم مفاجأة الأفراد بقواعد جنائية أشد من القواعد التي كانت سارية وقت ارتكاب الفعل.
أولًا: نص المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري
تنص المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 على ما يأتي:
يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها. ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيا قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره.وإذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية.
غير أنه في حالة قيام إجراءات الدعوى أو صدور حكم بالإدانة فيها وكان ذلك عن فعل وقع مخالفا لقانون ينهي عن ارتكابه في فترة محددة فإن انتهاء هذه الفترة لا يحول دون السير في الدعوى أو تنفيذ العقوبات المحكوم بها.
وتتضمن المادة ثلاثة أحكام رئيسية: القانون الذي كان معمولًا به وقت ارتكاب الجريمة، والقانون الأصلح للمتهم، والحكم الخاص بالقوانين التي تحظر أفعالًا خلال فترة زمنية محددة.
ثانيًا: القاعدة العامة وهي عدم رجعية القانون الجنائي
تقرر الفقرة الأولى من المادة الخامسة أن الجريمة يُعاقب عليها بمقتضى القانون الذي كان معمولًا به وقت ارتكابها.
ومعنى ذلك أن القانون الجنائي الجديد لا يجوز أن يُطبق بأثر رجعي إذا كان من شأن تطبيقه إنشاء جريمة لم تكن موجودة وقت ارتكاب الفعل، أو تشديد العقوبة المقررة له على نحو يضر بالمتهم.
وتُعرف هذه القاعدة باسم مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية الأشد، وهي من الضمانات المهمة المرتبطة بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
مثال توضيحي
إذا ارتكب شخص فعلًا في وقت كان القانون يقرر له عقوبة معينة، ثم صدر بعد ذلك قانون يشدد العقوبة، فلا يجوز تطبيق العقوبة الأشد الجديدة على الفعل السابق على نفاذ القانون لمجرد أن المحاكمة تمت بعد صدوره.
والعبرة هنا بتاريخ ارتكاب الفعل، وليس بتاريخ اكتشافه أو التحقيق فيه أو صدور الحكم، مع مراعاة الاستثناءات التي قررها القانون لمصلحة المتهم.
ثالثًا: الاستثناء الأول – تطبيق القانون الأصلح للمتهم
بعد أن قررت المادة الخامسة القاعدة العامة، قررت استثناءً مهمًا لمصلحة المتهم، وهو تطبيق القانون الأصلح له إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيًا.
ومؤدى ذلك أن القانون الجديد قد يُطبق على جريمة ارتُكبت قبل صدوره إذا كان أصلح للمتهم من القانون الذي كان ساريًا وقت ارتكابها، بشرط تحقق التوقيت الذي حدده النص.
ما المقصود بالقانون الأصلح للمتهم؟
القانون الأصلح للمتهم هو القانون الذي يؤدي تطبيقه، عند مقارنته بالقانون السابق، إلى وضع جنائي أفضل للمتهم في الواقعة محل المحاكمة.
وقد يتحقق ذلك، بحسب مضمون التعديل، من خلال:
- إلغاء تجريم الفعل الذي كان معاقبًا عليه.
- تخفيف العقوبة المقررة للجريمة.
- تعديل شروط المسؤولية الجنائية بما يكون أكثر فائدة للمتهم.
- إضافة سبب أو شرط قانوني يؤدي إلى استبعاد العقاب في الحالة المعروضة.
ولا يكفي أن يكون القانون الجديد أحدث أو مختلفًا عن القانون القديم؛ بل يجب أن يكون أصلح للمتهم في ضوء المقارنة القانونية بين أحكامهما والواقعة محل الاتهام.
ما شروط تطبيق القانون الأصلح للمتهم؟
يُفهم من الفقرة الأولى للمادة الخامسة أن تطبيق القانون الأصلح قبل الحكم النهائي يتطلب التحقق من الأمور الآتية:
- وقوع الفعل في ظل القانون القديم: أي أن الجريمة محل المحاكمة ارتُكبت قبل صدور القانون الجديد.
- صدور قانون جديد أصلح: يجب أن يتضمن القانون اللاحق حكمًا يجعل المركز القانوني للمتهم أفضل من الحكم السابق.
- صدور القانون قبل الحكم النهائي: يجب أن يصدر القانون الأصلح قبل أن يصبح الحكم نهائيًا، مع مراعاة الحالة الاستثنائية التي نصت عليها الفقرة التالية.
مثال على القانون الأصلح للمتهم
إذا ارتكب شخص جريمة كانت عقوبتها في القانون الساري وقت ارتكابها الحبس لمدة معينة، ثم صدر قانون جديد قبل الفصل النهائي في الدعوى وخفّض العقوبة المقررة للجريمة، فقد يستفيد المتهم من العقوبة الأخف إذا توافرت شروط تطبيق القانون الأصلح.
ويظل تحديد القانون الأصلح مسألة قانونية تتطلب مقارنة النصين وتطبيقهما على الواقعة، ولا يُحسم الأمر بمجرد النظر إلى رقم العقوبة وحده في جميع الحالات.
رابعًا: الاستثناء الثاني – إذا صدر قانون يلغي التجريم بعد الحكم النهائي
لم يقصر المشرع الحماية على الفترة السابقة على صدور الحكم النهائي، بل نص في الفقرة الثانية من المادة الخامسة على حالة خاصة، وهي صدور قانون بعد الحكم النهائي يجعل الفعل الذي صدر الحكم بالإدانة بسببه غير معاقب عليه.
وفي هذه الحالة يترتب على القانون الجديد أثران نصت عليهما المادة صراحة:
- وقف تنفيذ الحكم: فلا يستمر تنفيذ العقوبة المحكوم بها عن الفعل الذي أصبح غير معاقب عليه.
- انتهاء الآثار الجنائية: تنتهي الآثار الجنائية المترتبة على الحكم في الحدود التي يقررها النص.
مثال توضيحي
إذا صدر حكم نهائي بإدانة شخص عن فعل كان مجرمًا وقت ارتكابه، ثم صدر قانون لاحق ألغى تجريم هذا الفعل، فإن المادة الخامسة تقرر وقف تنفيذ الحكم وانتهاء آثاره الجنائية.
وهذه الحالة تختلف عن مجرد تخفيف العقوبة بعد الحكم النهائي؛ لأن النص اشترط أن يجعل القانون الجديد الفعل ذاته غير معاقب عليه.
ومن ثم لا يجوز التوسع في تطبيق هذا الحكم ليشمل كل تعديل تشريعي مخفف للعقوبة بعد صيرورة الحكم نهائيًا.
خامسًا: الاستثناء الخاص بالقوانين محددة المدة
تتضمن الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة حكمًا خاصًا بالقوانين التي تحظر ارتكاب فعل معين خلال فترة زمنية محددة.
ومؤدى هذا الحكم أنه إذا كانت إجراءات الدعوى قد بدأت، أو صدر حكم بالإدانة، عن فعل ارتُكب بالمخالفة لقانون كان يحظر ارتكابه خلال فترة محددة، فإن انتهاء هذه الفترة لا يمنع استمرار الدعوى أو تنفيذ العقوبة المحكوم بها.
ما المقصود بالقانون محدد المدة؟
هو القانون الذي يرتبط سريانه أو الحظر الذي يقرره بفترة زمنية معينة، بحيث يكون الفعل محظورًا خلال تلك الفترة، وينتهي الحظر بانتهائها وفقًا لما يحدده القانون.
وقد وضع المشرع هذا الحكم حتى لا يؤدي انتهاء الفترة المحددة إلى إفلات من ارتكب الفعل المخالف أثناء سريان الحظر من المساءلة الجنائية.
مثال توضيحي
إذا صدر قانون يحظر فعلًا معينًا خلال مدة زمنية محددة، وارتكب شخص هذا الفعل أثناء سريان الحظر، ثم انتهت المدة بعد بدء إجراءات الدعوى، فإن انتهاء المدة لا يمنع استمرار المحاكمة.
وإذا صدر حكم بالإدانة، فلا يمنع انتهاء الفترة المحددة تنفيذ العقوبة المحكوم بها، متى توافرت شروط الفقرة الأخيرة من المادة.
سادسًا: الفرق بين الأحكام الثلاثة الواردة في المادة الخامسة
يمكن توضيح الأحكام الثلاثة للمادة الخامسة من خلال المقارنة الآتية:
| الحالة | الحكم القانوني | التوقيت |
|---|---|---|
| صدور قانون أشد | لا يطبق بأثر رجعي على الفعل السابق إذا كان يضر بالمتهم. | بعد ارتكاب الفعل. |
| صدور قانون أصلح للمتهم | يُطبق القانون الأصلح دون غيره. | بعد وقوع الفعل وقبل الحكم النهائي. |
| صدور قانون يلغي التجريم | يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية. | حتى لو صدر بعد الحكم النهائي. |
| انتهاء مدة قانون مؤقت | لا يمنع استمرار الدعوى أو تنفيذ العقوبة في الحالة المحددة بالنص. | بعد وقوع الفعل المخالف خلال فترة الحظر. |
سابعًا: علاقة المادة الخامسة بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات
ترتبط المادة الخامسة بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومؤداه أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون.
فلا يجوز معاقبة شخص عن فعل لم يكن مجرمًا وقت ارتكابه، ولا يجوز تطبيق قانون لاحق أشد عليه بأثر رجعي. وفي المقابل، فإن تطبيق القانون الأصلح للمتهم يحقق حماية إضافية للحرية الشخصية عندما يتغير التقدير التشريعي للفعل أو للعقوبة المقررة له.
وقد تناولت المحكمة الدستورية العليا في أحكامها القيمة الدستورية لمبدأ رجعية القانون الجنائي الأصلح للمتهم، وارتباطه بصون الحرية الشخصية ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
ثامنًا: أسئلة شائعة حول المادة الخامسة من قانون العقوبات
هل يطبق القانون الجديد على جريمة ارتُكبت قبل صدوره؟
الأصل أن الجريمة يُعاقب عليها بالقانون المعمول به وقت ارتكابها، ولا يطبق القانون الجديد بأثر رجعي إذا كان أشد على المتهم. لكن إذا كان القانون الجديد أصلح له وصدر قبل الحكم النهائي، فيُطبق وفقًا لشروط المادة الخامسة.
هل يستفيد المتهم من القانون الأصلح إذا صدر بعد الحكم النهائي؟
الأصل وفق الفقرة الأولى أن القانون الأصلح يُطبق إذا صدر قبل الحكم النهائي. لكن الفقرة الثانية قررت حالة استثنائية إذا صدر قانون بعد الحكم النهائي يجعل الفعل غير معاقب عليه؛ ففي هذه الحالة يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية.
هل تخفيف العقوبة بعد الحكم النهائي يؤدي إلى وقف تنفيذ الحكم؟
لا يكفي مجرد تخفيف العقوبة بعد الحكم النهائي لتطبيق حكم الفقرة الثانية؛ إذ اشترط النص أن يجعل القانون الجديد الفعل الذي صدر الحكم بالإدانة عنه غير معاقب عليه.
ماذا يحدث إذا انتهت مدة القانون الذي كان يحظر الفعل؟
إذا كان الفعل قد وقع مخالفًا لقانون يحظر ارتكابه خلال فترة محددة، وكانت إجراءات الدعوى قد قامت أو صدر حكم بالإدانة، فإن انتهاء تلك الفترة لا يمنع استمرار الدعوى أو تنفيذ العقوبة المحكوم بها، وفقًا للفقرة الأخيرة من المادة الخامسة.
هل يحدد المتهم بنفسه القانون الأصلح له؟
لا. تحديد القانون الأصلح يتطلب مقارنة الأحكام القانونية المنطبقة على الواقعة، ويخضع لتقدير المحكمة وفقًا للقواعد القانونية والضوابط القضائية ذات الصلة.
الخلاصة
تضع المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري إطارًا مهمًا لتحديد القانون الواجب التطبيق من حيث الزمان. فهي تقرر عدم رجعية القانون الجنائي الأشد، وتسمح بتطبيق القانون الأصلح للمتهم قبل الحكم النهائي، كما تقرر وقف تنفيذ الحكم وانتهاء آثاره الجنائية إذا صدر قانون لاحق يجعل الفعل غير معاقب عليه، مع وضع حكم خاص بالقوانين محددة المدة.
ولذلك فإن فهم المادة الخامسة لا يقتصر على معرفة قاعدة القانون الأصلح للمتهم، بل يتطلب التمييز بين توقيت صدور القانون الجديد، ومضمونه، وما إذا كان الحكم قد أصبح نهائيًا، وطبيعة القانون الذي انتهت مدته.
تنويه قانوني: هذا المقال للتوعية القانونية وشرح القواعد العامة، ولا يُعد استشارة قانونية في واقعة بعينها. ويجب الرجوع إلى النصوص التشريعية المحدثة والأحكام القضائية ذات الصلة عند بحث أي نزاع أو اتخاذ إجراء قانوني.

